الموضوع الثاني

الثقة: من يثق بمن؟

ماذا يحدث للمجتمع عندما لا يثق أحد بأحد، ومع ذلك يضطر الجميع إلى العيش معًا؟

رحلتك مع الموضوع

ابدأ القراءة، أو سجّل الدخول لحفظ مكانك ومحطات التفكير.

مؤشر الموضع يساعدك على العودة؛ لا يُعدّ إثباتًا لفهم الموضوع أو أهلية للفوز.

سجّل الدخول لحفظ تقدّمك

قراءتي المحفوظة
فصول الموضوع
محطات التفكيرأكملت ٠ من ٥ محطات

اختر الإجابة الأقرب، ثم اقرأ التفسير. هذه المحطات للتعلّم ولا تدخل في نتيجة المسابقة.

تخيل أنك تريد شراء قطعة أرض في اليمن.

لديك عقد.

لديك أوراق.

لديك شهود.

لكن قبل أن تدفع المال، قد تسأل:

«من صاحب الأرض؟»

ليس هذا فقط.

من أهله؟

من يعرف؟

هل وراءه أحد؟

هل يمكن أن يظهر شخص بعد سنة ويقول إن الأرض له؟

هل الوثائق تكفي؟

هل المحكمة ستحميني؟

وهل أستطيع أصلًا أن أدخل في مشكلة مع هذا الشخص لو كان أقوى مني؟

لاحظ ما حدث.

أنت لم تعد تشتري أرضًا فقط.

أنت تحاول حساب شبكة القوة المحيطة بالأرض.

رجل يتأمل مؤسسة مصغرة وطابورًا أمام بابها وشخصًا يدخل بالواسطة
01

تخيل موقفًا آخر.

لديك معاملة في مؤسسة حكومية.

ما أول شيء قد يفعله بعض الناس؟

هل يبحث عن القانون المنظم للمعاملة؟

ربما.

لكن هناك سؤالًا آخر يتكرر في حياتنا:

«تعرفوا حد هناك؟»

هذه الجملة تبدو عادية.

لكنها تكشف سؤالًا عمليًا: هل يمكن إنجاز الحق دون معرفة شخص في الداخل؟

لماذا أحتاج إلى معرفة شخص إذا كانت لدي معاملة قانونية؟

لماذا أشعر أن معرفة الإنسان أهم من معرفة النظام؟

ولماذا لا يبدو هذا السؤال غريبًا أصلًا؟

ربما لأننا أمام مشكلة أكبر من الواسطة.

نحن أمام مشكلة اسمها:

الثقة.

02

ماذا يعني أن تثق؟

الثقة ليست أن تحب الآخر.

وليست أن تعتقد أن البشر طيبون.

الثقة، في المعنى الذي نتتبعه هنا، استعداد للتعامل مع الآخر مع قبول قدر من المخاطرة، اعتمادًا على أسباب معقولة لتوقع وفائه. فتوقّع الأذى ليس ثقة.

أعطيك مالي لأنني أتوقع أنك ستنفذ العقد.

أذهب إلى المحكمة لأنني أتوقع أنها ستنظر إلى حقي لا إلى اسم خصمي.

أضع مالي في البنك لأنني أتوقع أن أجده غدًا.

أشارك شخصًا في مشروع لأنني أتوقع ألا يأخذ المال ويهرب.

أختلف معك سياسيًا لأنني أتوقع أنك لن تعتبر اختلافي مبررًا لإيذائي.

أسلم سلاحي للدولة لأنني أتوقع أن الدولة ستحميني عندما يصبح خصمي مسلحًا.

إذن الحضارة الحديثة مبنية، بدرجة مذهلة، على شيء لا نستطيع لمسه:

أن أستطيع توقع سلوكك، وأن تستطيع توقع سلوكي.

والسؤال الذي يهمنا:

ماذا يحدث عندما ينهار هذا التوقع؟

محطة تفكير 1 / ٥
شخص يتعامل مع شريك جديد بعقد واضح وآلية لحل الخلاف. ما معنى الثقة الأقرب في هذا الموقف؟

03

الرجل الذي أغلق متجره بثلاثة أقفال

تخيل صاحب محل يغلق بابه ليلًا.

يضع قفلًا.

ثم قفلًا ثانيًا.

ثم ثالثًا.

ثم كاميرا.

ثم حارسًا.

لماذا؟

قد تكون هناك سرقات فعلية، وقد تكون احتياطاته أكبر من الخطر. لا نعرف من عدد الأقفال وحده؛ لكن الحماية تستهلك من رزقه وراحته.

وحين يضعف الاطمئنان إلى حماية الحق، قد تزيد كلفة الضمانات والمراقبة.

هذه القاعدة لا تنطبق على المتجر فقط.

تنطبق على المجتمع كله.

إذا لم أثق بشريكي أحتاج إلى ضمانات أكثر.

إذا لم أثق بالموظف أراقبه أكثر.

إذا لم أثق بالمحكمة أبحث عن واسطة.

إذا لم أثق بالشرطة أبحث عن قبيلة.

إذا لم أثق بالدولة أبحث عن سلاح.

وفجأة نفهم شيئًا:

للتعامل في بيئة يصعب فيها ضمان الحقوق كلفة لا تظهر كاملة في سعر السلعة.

يدفع ثمن انعدام الثقة في الوقت والمال والعلاقات والخوف والسلاح والفرص الضائعة.

04

لكن من الذي كسر الثقة أولًا؟

هنا يبدأ السؤال الصعب.

هل المواطن لا يثق بالدولة لأن الدولة خذلته؟

أم الدولة ضعيفة لأن المواطنين يتجاوزونها؟

هل الناس يستخدمون الواسطة لأن المؤسسات فاسدة؟

أم المؤسسات فاسدة لأن الجميع يستخدم الواسطة؟

هل اليمني يعتمد على قبيلته لأن القانون لا يحميه؟

أم القانون ضعيف لأن الناس يعتمدون على القبيلة بدلًا منه؟

من بدأ؟

السؤال عن البداية مفيد لتحديد المسؤوليات، لكنه لا يكفي لفهم ما يُبقي الدائرة مستمرة اليوم.

لأننا قد نكون أمام دائرة لا أمام خط مستقيم.

  1. الدولة تخذل المواطن.
  2. المواطن يفقد الثقة.
  3. يبحث عن طريق خارج الدولة.
  4. المؤسسة الرسمية تصبح أقل أهمية.
  5. الشبكات الشخصية تصبح أقوى.
  6. الدولة تصبح أضعف.
  7. المواطن يثق بها أقل.

ثم تعود الدائرة من جديد.

بعد أجيال، قد ينسى الجميع كيف بدأت.

ويبقى فقط:

«لا تثق.»

أب وابنه وجسور صغيرة ترمز إلى الوعود والثقة المتوارثة
05

الأب الذي يعطي ابنه أهم نصيحة في الحياة

تخيل أبًا يرسل ابنه إلى المدينة للدراسة.

قبل أن يغادر، يقول له:

«يا ابني، انتبه لنفسك. لا تثق بأحد بسرعة.»

الأب لا يريد تدمير المجتمع.

إنه يحب ابنه.

وربما الحياة علمته أن الثقة الزائدة مكلفة.

الابن يتعلم النصيحة.

ثم يكبر.

ويقولها لابنه.

ثم يقولها ابنه لحفيده.

هنا حدث شيء مهم.

تجربة مؤلمة تحولت إلى حكمة.

وقد تتكرر النصيحة حتى يتعلمها الأبناء قبل أن يختبروا حدودها.

وقد يأتي جيل لم يتعرض للخيانة نفسها، لكنه يرث استراتيجية الدفاع التي أنتجتها.

ما ينتقل هنا ليس التجربة نفسها، بل توقع أن تتكرر؛ وقد يصح التوقع في موقف ويظلم آخرين في موقف مختلف.

06

هل نحن نربي أبناءنا على الثقة أم الحذر؟

اسأل نفسك:

كم مرة يسمع الطفل:

«لا تأمن له.»

«انتبه، الناس ما لهم أمان.»

«لا تخبر أحدًا بكل شيء.»

«خليك صاحي.»

«لا تكون طيب زيادة.»

كل جملة قد تكون منطقية في موقف معين.

لكن ماذا يحدث عندما تصبح كلها معًا فلسفة حياة؟

قد ننتج إنسانًا ممتازًا في حماية نفسه.

لكنه ضعيف في التعاون مع الآخرين.

وهذه مفارقة مهمة:

الصفة التي تحمي الفرد قد تضر المجتمع إذا أصبحت قاعدة عامة.

محطة تفكير 2 / ٥
أب يحذر ابنه من كل الناس بسبب تجربة خيانة قديمة. ماذا قد يحدث إذا أصبح الحذر قاعدة عامة؟

07

لماذا نثق بالعائلة أكثر من المؤسسة؟

إذا احتجت مالًا، ممن تطلب؟

إذا وقعت في مشكلة، بمن تتصل؟

إذا أردت وظيفة، من تبحث عنه؟

إذا أردت حل نزاع، من يستطيع التدخل؟

في المجتمعات التي تكون فيها المؤسسات ضعيفة، تتجه الثقة إلى الداخل:

الأسرة. الأقارب. الأصدقاء. القبيلة. المعارف.

وهذه الثقة شيء جميل في جانب منها.

قد تجد أسرة كاملة تقف مع فرد منها في المرض والفقر والزواج والغربة.

هذه قوة اجتماعية حقيقية.

لكن هنا المفارقة:

قد تكون لدينا ثقة قوية جدًا داخل الدائرة الصغيرة، وثقة ضعيفة جدًا خارجها.

أنا أثق بأخي.

وأنت تثق بأخيك.

لكن هل أثق بك؟

هذه مسألة مختلفة.

وهنا تبدأ مشكلة بناء الدولة الحديثة.

لأن الدولة تحتاج أن أتعاون مع شخص:

لا أعرف والده.

ولا قبيلته.

ولا منطقته.

ولا مذهبه.

ولا عائلته.

ولا أعرفه شخصيًا أصلًا.

أتعامل معه فقط لأنه:

مواطن مثلي.

وهذه قفزة نفسية هائلة.

08

لماذا يحتاج اليمني إلى معرفة «من أنت»؟

تخيل رجلين يختلفان.

قبل الدخول في أصل المشكلة قد يبدأ جمع المعلومات:

من هذا؟

من أي منطقة؟

من أهله؟

من وراءه؟

من يعرف؟

لماذا تهم هذه المعلومات؟

لأنها تساعد العقل على حساب:

القوة.

هل أستطيع مواجهته؟

هل يجب أن أتفاوض؟

هل أحتاج إلى شخص يقف معي؟

وهكذا يصبح التعرف على شبكة الشخص أحيانًا أكثر أهمية من معرفة حجته.

وهذه ليست مجرد قبلية.

إنها طريقة للتعامل مع المخاطر عندما لا توجد جهة ثالثة قوية ومحايدة يثق بها الطرفان.

09

تجربة بسيطة

تخيل أن شخصًا صدم سيارتك.

في مجتمع عالي الثقة بالمؤسسات، قد يكون التسلسل:

شرطة → تأمين → تقرير → تعويض.

لكن تخيل مجتمعًا لا يثق الناس فيه تمامًا بهذه السلسلة.

ماذا قد يحدث؟

اتصالات.

أقارب.

معارف.

جدال.

«من أنت؟»

«اتصل بفلان.»

«جيب فلان.»

المشكلة نفسها.

لكن النظام الذي يديرها مختلف تمامًا.

في الحالة الأولى:

المؤسسة هي الطرف الثالث.

وفي الثانية:

العلاقة الشخصية هي الطرف الثالث.

المقارنة توضح الفرق بين حق يمكن المطالبة به بإجراء معلوم، وحل يتوقف على الوصول إلى شخص؛ وقد يجتمع المساران في المجتمع نفسه.

10

السؤال الصادم الأول

لو اختفت الواسطة من اليمن غدًا… هل ستتحسن حياة المواطن فورًا؟

الجواب ليس بالضرورة.

وهذه مفارقة مؤلمة.

إذا أزلت الواسطة، لكنك لم تصلح المؤسسة التي جعلت الناس يحتاجون إليها، فقد تترك المواطن بلا طريق رسمي يعمل وبلا طريق غير رسمي يساعده.

وهذا يخبرنا أن:

محاربة السلوك دون إصلاح البيئة التي أنتجته قد تفشل.

لا يكفي أن تقول للناس:

«لا تستخدموا الواسطة.»

يجب أن تجعل الطريق الذي لا يحتاج إلى واسطة يعمل فعلًا.

11

السؤال الصادم الثاني

حين نطلب استثناءً لأنفسنا، ماذا يفهم من ينتظرون أن نلتزم بالقواعد نفسها؟

فكر فيها بهدوء.

عندما يستخدم خصمنا الواسطة نقول:

فساد.

لكن عندما يستطيع قريب لنا إنهاء معاملتنا، ماذا نقول؟

«جزاه الله خير.»

عندما يعين مسؤول أقارب الآخرين:

محسوبية.

وعندما يصل شخص من عائلتنا إلى موقع قوي:

«لا تنسانا.»

إذن المشكلة ليست دائمًا أننا نرفض النظام.

أحيانًا نريد فقط:

مكانًا أفضل لنا داخله.

سيبحث موضوع الفساد توزيع المنفعة والضرر؛ وما يعنينا هنا أن الاستثناء يعطي الآخرين سببًا جديدًا لعدم الاطمئنان إلى التزامنا.

12

السؤال الصادم الثالث

هل نريد دولة قانون فعلًا؟

الإجابة السريعة:

طبعًا.

لكن جرّب السؤال بطريقة أخرى:

هل تريد دولة قانون عندما ترفض طلبك؟

هل تريدها عندما تعاقب ابنك؟

هل تريدها عندما تهدم بناءً مخالفًا تملكه؟

هل تريدها عندما يكون خصمك هو صاحب الحق؟

هل تريدها عندما لا يستطيع قريبك المسؤول مساعدتك؟

هل تريد القانون فقط عندما يحميك…

أم عندما يقيدك أيضًا؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

الجميع تقريبًا يحب العدالة عندما يكون مظلومًا.

لكن الدولة لا تُبنى بذلك.

يساعد قبول الإجراء العادل، حتى حين لا يحقق رغبتنا، على بناء الثقة؛ ويبقى من حقنا الطعن فيه إذا كان منحازًا أو خاطئًا.

محطة تفكير 3 / ٥
شخص يطالب بتطبيق القانون، ثم يطلب استثناء عندما يخالف ابنه. ما الذي يكشفه هذا الموقف؟

13

من انعدام الثقة إلى السلاح

الآن دعنا نذهب إلى منطقة أصعب.

لماذا يحتفظ الإنسان بالسلاح؟

الأسباب كثيرة، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد: ثقافة، مكانة، تاريخ، أمن، نزاعات وغيرها.

لكن اسأل حامل السلاح:

إذا ضمنت لك دولة قوية أن تحميك وتحمي أسرتك ومالك وكرامتك، وأن خصمك أيضًا لن يستطيع حمل السلاح ضدك، فهل ستبقى حاجتك إليه كما هي؟

هذا سؤال مهم.

لأن السلاح قد لا يكون مجرد حب للقوة.

قد يكون أحيانًا:

تأمينًا ضد انعدام الثقة.

أنا لا أريد التخلي عن سلاحي لأنني لا أثق أنك ستتخلى عن سلاحك.

وأنت لا تتخلى عن سلاحك لأنك لا تثق بي.

كلانا ربما يفضل مجتمعًا أقل تسلحًا.

لكن لا أحد يريد أن يكون:

أول أعزل.

وهذه مأساة الثقة في أوضح صورها.

14

ومن هنا نفهم الحرب بطريقة مختلفة

تخيل جماعتين.

كل واحدة تقول:

«إذا سلمنا سلاحنا سيغدر بنا الآخر.»

الطرف الأول يحتفظ بالسلاح خوفًا من الثاني.

الثاني يرى سلاح الأول ويقول:

«كنت أعرف أنهم لا يريدون السلام.»

فيتسلح أكثر.

الأول يرى تسلح الثاني.

فيقول:

«ألم نقل لكم؟»

الطرفان أصبح لديهما الآن دليل على مخاوفهما.

لكن كل طرف ساهم في صناعة الدليل الذي يخشاه.

وهكذا تستطيع المجتمعات أن تدخل في دوائر لا يريد نتيجتها النهائية أحد.

مصافحة تخفي وراءها مقصًا يرمز إلى خيانة الثقة
15

أخطر مرحلة: عندما يصبح حسن النية غباءً

هناك لحظة شديدة الخطورة في حياة أي مجتمع.

وهي عندما يبدأ الناس في السخرية من الإنسان النزيه.

يقال:

«مسكين.»

«ما يعرفش كيف الدنيا تمشي.»

«بيأكلوه.»

«هذا عايش في عالم ثاني.»

انتبه هنا.

عندما يصبح الفاسد ذكيًا في المخيال الاجتماعي، والنزيه ساذجًا، فنحن لم نعد أمام أفراد فاسدين فقط.

لقد بدأ المجتمع في تغيير تعريف:

الذكاء نفسه.

الذكاء يصبح:

كيف تتجاوز النظام.

كيف تعرف الشخص المناسب.

كيف تحصل على مصلحتك.

كيف «تمشي أمورك».

وهنا يصبح الإصلاح أصعب بكثير.

لأنك لا تحارب فعلًا فقط.

أنت تحارب تعريفًا اجتماعيًا للنجاح.

شاب يعزل نفسه داخل سور وباب مغلق من الداخل
16

ماذا يفعل انعدام الثقة بالعقل؟

يجعل الإنسان أكثر يقظة.

وهذا قد يكون مفيدًا للبقاء.

لكنه أيضًا يجعله:

أكثر شكًا.

أقل استعدادًا للمخاطرة مع الغرباء.

أكثر اعتمادًا على دائرته.

أسرع في تفسير الغموض باعتباره تهديدًا.

أكثر بحثًا عن الحماية.

وأقل استعدادًا لتسليم مصيره لمؤسسة لا يثق بها.

وهنا تستطيع أن تفهم شيئًا مهمًا:

الإنسان الذي يبدو «عنيدًا» من الخارج قد يكون في داخله خائفًا من أن يكون الشخص الوحيد الذي يثق في بيئة لا تكافئ الثقة.

17

لكن هل اليمني فعلًا قليل الثقة؟

هنا يجب أن نتوقف.

لا يجوز أن نحول هذا المقال إلى حكم:

«اليمنيون لا يثقون ببعضهم.»

هذا يحتاج إلى قياس ودراسة ومقارنة بين المناطق والأجيال والفترات الزمنية.

والأهم أن اليمن يقدم أمثلة هائلة على العكس:

التكافل العائلي.

مساعدة الغرباء.

الضيافة.

الصدقات.

شبكات المغتربين.

المبادرات المجتمعية.

التعاون أثناء الكوارث.

إذن السؤال الأدق ليس:

هل اليمني يثق أم لا؟

بل:

بمن يثق؟ وفي ماذا؟ وتحت أي ظروف؟

قد أثق بك أن تستضيفني في بيتك.

لكن لا أثق بك شريكًا ماليًا.

وقد أثق بأخي بمالي.

لكن لا أثق بمؤسسة حكومية.

وقد أثق بأفراد قبيلتي.

لكن أخشى جماعة أخرى.

وهكذا تصبح خريطة الثقة أهم من مجرد قياس كمية الثقة.

18

تجربة المغترب

وهنا لدينا سؤال شديد الأهمية.

خذ يمنيًا عاش سنوات داخل اليمن.

ثم انتقل إلى دولة ذات مؤسسات أكثر استقرارًا.

بعد فترة قد يفعل أشياء مختلفة.

يوقع عقدًا مع شخص لا يعرف عائلته.

يشتري منزلًا من شخص غريب.

يودع ماله في مؤسسة.

يطلب حقه عبر النظام.

يعمل مع عشرات الجنسيات.

لا يحتاج إلى معرفة قبيلة الطبيب قبل أن يدخل عيادته.

ماذا حدث؟

هل تغيرت جيناته؟

بالطبع لا.

تغير شيء آخر:

أصبح من الممكن أن يثق بالنظام أكثر.

قد تتغير الثقة حين تتغير ضمانات التعامل. وقد تؤثر أيضًا الخبرة والدخل وشبكات المعرفة؛ فلا نعزل أثر المؤسسة دون بحث.

محطة تفكير 4 / ٥
مغترب أصبح يتعامل بعقود مع غرباء بعد انتقاله إلى بيئة أكثر استقرارًا. ما التفسير الأقرب؟

19

ولكن هنا يأتي السؤال المؤلم للمغترب أيضًا

إذا تعلم اليمني في الخارج احترام الطابور…

فلماذا قد يتجاوزه عندما يعود؟

إذا احترم قوانين المرور هناك…

لماذا يمكن أن يتعامل معها بطريقة مختلفة هنا؟

الإجابة السهلة:

نفاق.

وهناك تفسير آخر لا يعفيه من مسؤوليته:

قد يغيّر الإنسان سلوكه بحسب ما يتوقعه من التزام الآخرين ومن إنفاذ القاعدة.

إذا كان الجميع ينتظر دوره، ينتظر.

إذا كان من ينتظر يخسر دوره لمن يتجاوز الصف، تبدأ الحوافز بالتغير.

وهنا نعود إلى القاعدة:

لا تسأل فقط ماذا يؤمن الإنسان؛ اسأل ماذا تكافئ البيئة.

20

المجتمع الذي لا يثق لا يستطيع أن يحلم كبيرًا

فكر في بناء شركة كبيرة.

تحتاج إلى:

شركاء.

موظفين.

عقود.

بنوك.

محاكم.

موردين.

عملاء.

مستثمرين.

أي أنك تحتاج إلى الثقة في آلاف الأشخاص الذين لا تعرفهم شخصيًا.

الدولة نفسها أكثر تطرفًا.

الدولة تعني أن ملايين الغرباء يوافقون على العيش تحت قواعد مشتركة.

إذن:

كلما أردت بناء شيء أكبر من العائلة، أصبحت الثقة أكثر أهمية.

وهنا ربما نفهم لماذا تكون أزمة الثقة أخطر من مجرد مشكلة أخلاقية.

إنها مشكلة تنموية.

21

السؤال الأكثر إزعاجًا

ربما ليست مشكلة اليمن فقط أن المواطن لا يثق بالدولة.

ربما المشكلة الأخطر:

أن المواطن لا يعتقد أن الآخرين سيلتزمون حتى لو التزم هو.

وهذا فرق هائل.

قد أكون مستعدًا لعدم استخدام الواسطة.

لكنني أعتقد أن الآخرين سيستخدمونها.

فأستخدمها.

قد أكون مستعدًا لتسليم السلاح.

لكنني أعتقد أن الآخر سيحتفظ به.

فأحتفظ به.

قد أكون مستعدًا لاحترام القانون.

لكنني أعتقد أن صاحب النفوذ سيتجاوزه.

فأبحث عن نفوذ.

كل فرد يقول:

«أنا مضطر لأن الآخرين يفعلون ذلك.»

ثم يصبح مجموعنا جميعًا هو:

«الآخرون».

وهنا نصل إلى قلب المشكلة.

22

ربما نحن لا نحتاج إلى أن نصبح أفضل أخلاقًا أولًا

قد يبدو هذا صادمًا.

لكن تخيل نظامًا لا يحتاج إلى أن يكون جميع البشر ملائكة حتى يعمل.

هذه هي قوة المؤسسة الجيدة.

لا تقول للموظف:

«أرجوك كن إنسانًا رائعًا.»

بل تجعل السرقة:

صعبة.

مكشوفة.

ومكلفة.

وتجعل النزاهة:

أسهل.

محمية.

ومكافأة.

ولا تقول للمواطن:

«ثق بالجميع.»

بل تبني عقدًا ومحكمة ونظامًا يسمح له بالتعامل مع الغرباء دون الحاجة إلى الثقة الشخصية الكاملة فيهم.

وهذه واحدة من أعظم وظائف المؤسسات.

رجل وامرأة يعيدان بناء جسر يرمز إلى استعادة الثقة
23

إذن كيف تعود الثقة؟

ليس بالمحاضرات.

لا تستطيع أن تقول للإنسان:

«ثق بالدولة.»

ثم تنتهي.

الثقة تبنى بالتجربة.

معاملة أنجزت دون واسطة.

قاضٍ حكم ضد نافذ.

شرطي حمى ضعيفًا.

وظيفة حصل عليها الأكفأ.

مسؤول عوقب.

عقد نُفذ.

مواطن مختلف عنك سياسيًا احترم حقك.

كل تجربة صغيرة تقول للعقل:

ربما القواعد تعمل.

ثم تتكرر.

حتى تبدأ قاعدة نفسية جديدة في التشكل.

محطة تفكير 5 / ٥
مؤسسة تريد استعادة ثقة المواطنين. أي خطوة تنسجم أكثر مع الموضوع؟

24

وربما هنا يبدأ التغيير الحقيقي

ليس بأن نطلب من اليمني أن يثق بالآخرين بلا سبب.

بل بأن نصنع بيئة يصبح فيها:

الوفاء أكثر فائدة من الخيانة.

الكفاءة أكثر فائدة من الواسطة.

القانون أكثر قوة من النافذ.

التعاون أكثر ربحًا من الاستغلال.

السلام أكثر فائدة من الحرب.

وعندها لا نحتاج إلى أن نقول للناس كل صباح:

ثقوا ببعضكم.

قد يصبح التعاون أقل مخاطرة مع تراكم التجارب، لكن الثقة المكسورة لا تعود بالسرعة نفسها عند الجميع.

شاب يفحص جسرًا قبل عبوره نحو الثقة الواعية
25

وفي النهاية… من يثق بمن؟

ربما هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على اليمني:

هل تثق بعائلتك؟

قد تثق، وقد تكون تجربتك مختلفة.

بقبيلتك؟

ربما.

بجارك؟

ربما.

بشريك تجاري غريب؟

فكر.

بالشرطة؟

فكر أكثر.

بالمحكمة إذا كان خصمك نافذًا؟

والآن أصبح السؤال أصعب.

بخصمك السياسي أن يحمي حقك إذا وصل إلى السلطة؟

أصعب.

ثم يأتي السؤال الأخطر:

هل تثق أن بقية اليمنيين مستعدون للعيش معك تحت القانون نفسه حتى عندما يكون القانون ضد مصلحتهم؟

لأن هذه هي المسافة بين:

جماعات تعيش في أرض واحدة

وبين:

دولة.

والسؤال الأخير ليس للحكومة.

ولا للحوثي.

ولا للقبيلة.

ولا للحزب.

إنه لنا جميعًا:

إذا كان كل واحد منا ينتظر من الآخرين أن يثقوا أولًا… فمن سيبدأ؟

لكن ربما حتى هذا ليس السؤال الصحيح.

ربما السؤال الحقيقي هو:

ما الذي يجب أن نبنيه حتى لا نحتاج إلى الشجاعة لكي نثق؟

عندما تصبح الإجابة:

مؤسسات عادلة، قواعد متوقعة، محاسبة حقيقية، وتجارب يومية تثبت أن القانون يعمل،

عندها يبدأ شيء أعمق من الإصلاح السياسي.

يبدأ الإنسان نفسه في التغير.

ليس لأننا ألقينا عليه محاضرة.

بل لأن العالم من حوله بدأ أخيرًا يقول له:

يمكنك أن تتعامل دون أن تسلّم حقك كله لحسن نية شخص لا تعرفه.

المسابقة

اطّلع على اسم الجولة المعلنة وموعدها وتعليماتها قبل المشاركة.

موعد الاختبار والمشاركة

من الفكرة إلى الفعل

اختر وعدًا صغيرًا لشخص قريب منك، وحدّد موعدًا واضحًا والتزم به. لاحظ كيف يؤثر الالتزام في الثقة بينكما.

دوّن ملاحظتك الخاصة